ابراهيم بن حسن البقاعي
120
عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران
ورآه الإمام محب الدين بن الموحدى المالكي حثيثا على سماع الحديث وكتبه ، قال شيخنا : فقال لي « اصرف بعض هذه الهمة إلى الفقه فإنني أرى بطريق الفراسة أن علماء هذا البلد سنقرضون ، وسيحتاج إليك فلا تقصر بنفسك » ، فنفعتنى كلمته ولا أزال أترحّم عليه بهذا السبب ، رحمه الله » . ولقد كان لعمري ما قاله ابن الموحدى [ أثره ] ، فأطلق عنان عزمه نحو بقية العلوم فأكبّ عليها : الفقه والنحو والأصلين وعلوم الأدب والمعاني والبيان وغير ذلك حتى مهر فيها كلها . وأجلّ من أخذ عنه المعقول والأدبيات علامة الدنيا الشيخ عزّ الدين بن جماعة ، لازمه طويلا ، وأخذ عنه علما جزيلا وما زال يرخى العنان حتى سبق شيوخ الأقران ، فأسرج خيول أفكاره في ظلم الليالي ، وغاص بحور العلوم حتى أحرز نفائس اللآلي ، وفاز باتصال سماوات المعالي في سن الشباب والتحصيل ، وأجمل في إلحاف الطلب وفصل أوقاته لحفظ وبحث ودأب فنبذ المساوئ وسبق إلى أعالي الرتب فأحسن الإجمال والتفصيل . وأول شيوخه في الفقه الشيخ شمس الدين القطان والشيخ نور الدين الأدمى ثم الشيخ برهان الدين الأنباسى ثم الشيخ سراج الدين البلقيني وهو أول من أذن له في التدريس والإفتاء ، وتبعه غيره . وهو مع ذلك مقبل على علم الحديث وسماعه غير فاتر العزم منه ، وملازم لأكابر مشايخه لا سيما أستاذه ومخرجه حافظ العصر الشيخ زين الدين العراقي ، وهو أول من أذن له في التدريس في علوم الحديث في سنة سبع وتسعين ، ولم يزل يمعن في ذلك حتى صار إمام الناس فيه ، وتقدم على مشايخه في حياتهم ، ووصفوه بالحفظ والإتقان والنقد والعرفان ، وأرشدوا الناس إليه . وحضّوهم عليه ، وقرظوا مصنفاته وأذاعوا حسناتها وحسناته ، وشهدوا بأنها غاية ، وأن إتقانها نهاية .